دماء من أجل الماء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

(وجعلنا من الماء كل شئ حي)، قدسية أصبغها القرآن الكريم على الماء، حين ساوى بينه وبين الحياة، التي هي سر المولى عز وجل، ليس في النصوص المقدسة فحسب، لكن أيضا في كل اللغات، لغة الشعراء أصبح فيها الماء شريانا للحياة، لكن بلغة أهل السياسة فهو شريان الاقتصاد وقوة الدولة وهيمنتها.. والنماذج تؤكد أن قوة الدولة تكمن في حدودها، كلما أطلت على مياه، زادت نفوذها، وكلما كانت حبيسة زاد نبذها وبعدها عن المطامع.

بلغة العسكريين، الدولة البرية الحبيسة من السهل اقتحام حدودها، أما الدولة البحرية حتي لو كانت ضعيفة، فيؤمن لها حدها البحري وقتا أطول قبل أن تسقط في يد عدو.. ويسجل التاريخ نماذج كثيرة لصفقات كان الماء فيها مقابلا للدم، أول من علم خطر الماء كان الفراعنة عندما كانت تمتد حدودهم إلى بلاد منابع نهر النيل وكما تقول المقولة المنحوتة على جدران مقاييس النيل “إذا قل منسوب النهر فليهرع كل جنود الملك ولا يعودوا إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه”.

أما في العصر الحديث قال محمد علي باشا لرجاله: أين تقع منابع النيل؟

قالوا: في بلاد الحبشة 

قال: إذا يجب أن تكون نهاية حدودنا هناك

وعندما اقترحوا عليه مشروع قناة السويس، كان رده حاسما يدرس حين قال لهم لن أصنع بسفورا جديدا، مشيرا إلى مضيق البسفور التركي الذي تعرض لعديد من الحروب دفاعا عنه، لأنه كان يعلم أهمية الماء وخطره.

وحين أراد الإنجليز قتل أعضاء الحملة الفرنسية في مصر جوعا، وسد طريق البحر المتوسط في وجوههم، سد المماليك بقيادة مراد بك نهر النيل على الحملة، ما قصر عمرها في مصر، إذ لم تصمد بعدها أكثر من 3 سنوات، لتنهزم الحملة الشهيرة بسلاحها وعتادها أمام “موج البحر”.

ليس التاريخ فحسب الذي يمتلئ بالنماذج والحكايات، في العصر الحالي، تعتبر أهم أسباب حرب روسيا هي جغرافيا روسيا نفسها، فروسيا شمالا تملك محيط الجليدي وجنوبا طريقها بري وشرقا لا تملك إلا محيط يوصلها بأمريكا الشمالية وإذا أرادت التجارة فيه، خسرت أعظم مما ربحت، ولا يوجد أمامها سوى جزيرة القرم التي أهداها الإتحاد السوفيتي لأوكرانيا، فإذا أرادت اوكرانيا دخول الاتحاد الأوروبي سوف يقسم معهم الاتحاد الجزيرة، مما سيؤدي الى محاصرة الاقتصاد الروسي بقبضة الاتحاد الأوروبي.. ورغم كل ما يثار حول سبب الحرب وأصله الاختلاف العرقي القومي، إلا أنه في رأيي السبب الحقيقي الرئيسي للحرب هو جغرافيا روسيا، خاصة أننا إذا رجعنا لتاريخ الحرب سنراها اندلعت بعد إعلان الرئيس الاوكراني “زيلنسكي” رغبته في الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، ما أثار حفيظة الدب الروسي الذي سارع برفع مخالبه في وجه مهدده، واستخدام بنيته التحتية الضخمة في دفاع عن حقه المشروع من وجهة نظره.

والآن.. ننتقل بالمشهد إلى القرن الإفريقي، هل يعلم أحد على أي أساس قام الاقتصاد الإسرئيلى؟.. إنه يقوم على تجارة مع القارة السمراء لذلك تنظر إسرائيل إلى مصر وخصيصا خليج العقبة نظرة الطمع والتربص حتى تستطيع تأمين اقتصادها من مخالب طائر العقاب المصري.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا اختارت إثيوبيا بدء بناء السد في هذا التوقيت الخطير من عمر مصر؟.

إن أهم تجاربهم في بناء السدود كانت والرئيس السادات مشغولا بالحرب بعدها طرحوا الأمر على الرئيس مبارك، كشر لهم عن أنيابه، فما كانت امامهم فرصه مناسبة الا استغلال ثوره 2011 والفوضي السياسية والأمنية التي أعقبتها.

لكن هذه المرة في الجنوب، إثيوبيا أيضا تطمع بالسودان سواء الشمالية او الجنوبية لكي يكون لها ظهير علي البحر الاحمر وهذا ما لا تسمح به إسرائيل ،  واذا سمحت يجب ان يكون تحت رعايتها 
–   لذا فإن القول في هذه القضية هو : اذا جف مائك جف اقتصادك، واذا خيرت فقيمة الماء لاتقل عن قيمة الدماء

‫0 تعليق