|
منذ قدومها
إلى المنطقة سنة 1991 مع بداية وقف إطلاق النار علق الصحراويون آمالا كبارا
على الأمم المتحدة، منحوها كامل ثقتهم وقدموا لها كل التسهيلات والعون
المادي، المعنوي والسياسي وكشفوا لها كل اسرارهم ظنا منهم انها قادرة على
الوفاء بالتزاماتها تجاههم ومساعدتهم على استرجاع حقوقهم المغتصبة من طرف
المحتل المغربي، لكن وللأسف الشديد مع مرور الايام وتوالي الأحداث تبين أن
آمالهم تلك كانت سرابا وأن ثقتهم في غير محلها، وأن الأمم المتحدة والشرعية
الدولية وحقوق الإنسان كلها ادوات وتسميات يستغلها الكبار لتحقيق مصالحهم
وفرض إملاءاتهم على الضعفاء وكل من يحاول الخروج من تحت عباءة سيطرتهم.
إن خمس
عشرة سنة من تواجد الامم المتحدة في الميدان تم خلالها هدر عشرات الملايين
من الدولارات دون تحقيق أي تقدم يذكر على طريق حلحلت النزاع، والتي كان
يفترض أن تتم في غضون شهور على أكثر تقدير، أثبتت للصحراويين فشل الأمم
المتحدة الذريع وعجزها المطلق عن فرض تطبيق قراراتها بل وتواطئها في كثير
من الاحيان مع الطرف الآخر بهدف دفعهم (اي الصحراويين) إلى التسليم والقبول
بالأمر الواقع والتنازل عن حقوقهم المشروعة التي تقرها كل المواثيق
والقرارات الدولية.
لقد كشفت
حرب لبنان الأخيرة عورة الأمم المتحدة وأكدت بما لا يدع مجالا للشك أنها قد
تحولت من أداة لحفظ الأمن والسلام العالميين والإسهام بفعالية وحياد
وموضوعية في فض النزاعات وحماية الحريات وحقوق الإنسان والدفاع عن
المستضعفين، إلى وسيلة لشرعنة مخططات الكبار وتبرير تصرفاتهم على خلفية
المصالح الخاصة وعلى حساب القانون الدولي، حيث ظهرت عاجزة تمام العجز حتى
عن حماية موظفيها عندما فشل مجلس الأمن في استصدار مجرد قرار إدانة
لإسرائيل بعد قتل عمدا اربعة من عناصر قوات الطوارئ الدولية في لبنان.
إن منظمة
بهذا المستوى من الضعف والعجز لا يمكن أن ننتظر منها إلا الأسوأ، ولا يمكن
ان يأمل منها ان تنصف المظلوم أو تفرض حلا لأية قضية على أساس القانون
الدولي بعيدا عن تلاعب وإملاءات الكبار المسيطرون على مجلس والذين يقررون
كل كبيرة وصغيرة فيه تماشيا مع مصالحهم وانطلاقا من تصوراتهم لمستفبل
العالم حسب منظورهم السياسي، الإيديولوجي والإقتصادي وما على الآخرين إلا
التنفيذ وإلا أعتبرو إرهابيين وفاشيين ومارقين عن القانون، وهم كل يوم
يطالعوننا بمسرحية جديدة وعلينا أن نقوم بلعب الأدوار التي يحددون لنا دون
حتى أن يكون لنا حق التساءل وإلا حلت علينا لعنتهم وانتقامهم، أبتدءا
باكذوبة النظام الدولي الجديد، ومرورا بلعبة العولمة ومن ثم خدعة
الديمقراطية والشرق الأوسط الكبير، وأخيرا نكتتة الشرق الاوسط الجديد الذي
مات في طور الولادة على يدي السيدة رايس بعد الهزيمة المدوية التي منيت بها
إسرائيل وكل الذين يقفون من ورائها في حربها الأخيرة ضد حزب الله في لبنان
التي أسقطت كل أوراق التوت التي كانت تستر عورات البعض وأكدت أن كل ما
يقدمون هو تسميات وتصاميم لقالب واحد فصلوه هم على مقاسهم، ومصوغات لهدف
واحد هو السيطرة على العالم والتحكم في ثرواته لتسخيرها في تنفيذ مخططاتهم
الشريرة التي تتفتق عنها عقولهم المريضة بهوس السيطرة على الآخر والتحكم
فيه عبر سياسة الإقصاء والتهميش وثقافة التجويع والقتل.
إن ما وصلت
إليه الامم المتحدة من عجز وضعف وهوان يجعلنا نتوقع منها كل شيئ، وهذا ما
جعلنا لا نستغرب كثيرا لقرارها الأخير القاضي بتقليص المساعدات الإنسانية
الموجهة لللاجئين الصحراويين ـ التي لم تكن كافية اصلا ـ بنسبة 43 بالمئة
لأننا كنا ننتظر منها هكذا تصرف أو ما هو أسوأ من ذلك، ولكن الغريب في
الأمر أن يأتي هذا القرار بعد عدة أيام من خطاب ملك المغرب الذي زعم فيه أن
البوليساريو يستعمل المساعدات الإنسانية لشراء السلاح، كما أنه جاء على بعد
عدة أسابيع من نهاية عهدة المينورسو وتقرير الامين العام بخصوص الوضع في
الصحراء الغربية والذي يفترض أن يتزامن معه تقديم المغرب لما اسماه مشروع
"الحكم الذاتي" المرفوض جملة وتفصيلا، كل هذه المعطيات تجعلنا نجزم أن
القرار قد اتخذ انطلاقا من خلفيات سياسية محضة هدفها تسجيل بعض النقاط
للطرف الآخر في وقت تتزايد عليه فيه الضغوط داخليا وخارجيا، ويزداد فيه
تأجج انتفاضة الاستقلال المباركة حيث يجد المخزن نفسه عاجزا عن تطويقها أو
الحد من جذوتها رغم كل الوسائل والاساليب المسخرة لذلك.
إذن طبيعة
القرار وتوقيته ينمان عن نوايا مبيتة وتواطوء واضح ومكشوف مع اطروحات
ومغالطات النظام المغربي، وهو يترجم إنصياعا أعمى لرغبات من يقفون وراء
تماديه في خرق الشرعية الدولية والالتفاف عليها لأنه يفتقر إلى المنطق
والموضوعية، وبالتالي فهو يشكل إبتزازا سياسيا حقيرا ومفضوحا الهدف منه
تجويع الصحراويين بغرض حملهم على التنازل عن حقوقهم المشروعة من خلال
الاستغلال الدنئ واللاإنساني لورقة المساعدات الإنسانية التي من المفروض أن
تكون بعيدة كل البعد عن كل المساومات والحسابات والمواقف السياسية مهما كان
هدفها أو مصدرها.
للأسف
الشديد وبهكذا قرار جائر لا يستند لأية معطيات ميدانية ويتجاهل كل المعايير
والمفاهيم الإنسانية، تثبت الأمم المتحدة من جديد انها ليست أهلا للثقة
التي منحها إياها الصحراويين منذ اليوم الأول، وأنه عليهم (الصحراويون) فهم
الرسالة جيدا وإعادة النظر في طرق وآليات تعاملهم مع هكذا منظمة.
من الواضح
أنه قد تم اتخاذ القرار المذكور تحت طائلة الضغوطات الفرنسية التي لم تدخر
جهدا ولا وسيلة يمكنها إطالة معاناة الصحراويين او إخضاعهم للعرش العلوي
المتهالك إلا واستعملتها، ولكن هيهات، فلتعلم هي وغيرها ممن يقفون وراء
تعنت النظام المغربي ويدفعونه إلى مزيد من الهروب إلى الأمام، أنه ليسو
الصحراويين هم الذين يأخذون ببطونهم أو يخضعون بهكذا مؤمرات دنيئة وتصرفات
أقل ما يمكن أن يقال عنها انها حمقاء وتفتقد إلى العقلانية، فالصحراويون
مستعدون للصوم شهورا إن تطلب الأمر مقابل الحفاظ على كرامتهم وتحقيق
اهدافهم الوطنية، فمن يضحي بالكرامة مقابل الخبز لا يستحق أيا منهما ولا
يستحق الحياة أصلا.
لقد حان
الوقت ليدرك الصحراويون أنه لا الأمم المتحدة ولا غيرها قادر على إرجاع لهم
حقوقهم المغتصبة ويتصرفون من هذا المنطلق بدل استجداء الحلول والمواقف
وتقديم التنازلات بلا طائل، فعالم اليوم لا يقيم وزنا ولا اعتبارا إلا
للقوي، والقوي ليس فقط بالمعنى المادي وإنما القوي بإيمانه بعدالة قضيته
وبروحه المعنوية والذي يقول فيفعل والغير مستعد للتنازل قيد أنملة عن
أهدافه أو التفريط في حقوقه مهما كان الثمن. " إن تنصرو الله ينصركم و يثبت
اقدامكم " صدق الله العظيم .
مولود عبد
الباقي
كاتب و
باحث من الصحراء الغربية
|