Nouvelle page 3
|
حجم الخط:
|
|
|
|
مصطفى عبد الدائم: قاهر النص
15/07/2010
|
| |
|
في البداية تأكد يا مصطفى عبد الدائم أننا دائما معك في سجنك الكبير، الوطن الصحراوي المحتل، معك في سجنك الأسمنتي البارد الذي يضيق عليك مع مطلع كل صباح.. معك أيضا في سجنك الانفرادي وفي زنزانتك الضيقة التي لا تسمح للضوء أن ينفذ إلى عينيك. معك أيضا على الورق، معك بين السطور وبين الكلمات، معك في الظلام حين تبدأ تكتب بعد خلود الجلاد إلى النوم. قل لنا كيف تكتب في الظلام في حين أننا نحن لم نستطيع ان نكتب في وضح النهار حين تكون الشمس ساطعة أو في الليل حين تبهرنا الأضواء من كل مكان.
******
هنئا لك يا مصطفى صدور مجموعتك الجديدة ذات العنوان السريالي: "أريد فجرا" التي تقول بلغة مستترة جدا: أريد ضوءا وأريد نسمة هواء باردة. فهي قد تكون المجموعة التي حلمتَ كثيرا بكتابتها وحلمتَ أكثر من ذلك بطباعتها وحلمت أكثر من ذلك بقراءتها. فهي مجموعة قصصية كتبتَها في السجن الكبير(الوطن المحتل) بالألم والمواجهة وبالمقاومة، أو كتبتَها في السجن الصغير بالدم وبالدموع وهذا سيكتبه لك التاريخ.
بهذه الطريقة ينضم مصطفى عبد الدائم إلى لائحة الكُتاب الذين كتبوا في السجن في ظروف لا يعرفها إلا من تم سجنه. حين نريد أن نقول ولو حفنة كلمات عن كتابات مصطفى عبد الدائم القصصية التي قرأناها قبل أن تنشر في مجموعة قصصية في مواقع الكترونية كثيرة نجد أنفسنا أمام ظاهرة أدبية نادرة ليس فقط في الصحراء الغربية إنما في الوطن العربي كله: ظاهرة القدرة على قهر الكتابة، بمعنى أننا أمام كاتب يغرف من بحر، كاتب لا يتوقف عن الكتابة ولو للحظة واحدة. فهذا الكاتب المناضل، السجين أغرق الدنيا بكتاباته وبنصوصه وبقصصه القصيرة ومن النادر أن نجد مثله.
وإذ كان مصطفى ظاهرة بغزارة كتاباته وبأمطاره القصصية القصيرة فإنه، من جهة أخرى، ظاهرة في التقنية التي يكتب بها القصة القصيرة والنص القصير. ففي كتاباته القصصية- لم اقرأها للأسف كلها لكن قرأت منها حوالي ثلاثين نصا فقط- لا نجد كاتبا تقليديا يكتب النص كيفما اتفق. فهذا القاص له قدرة عجيبة على كتابة النص الأدبي الحديث القصير وقهره ووضعه في مجموعة كلمات لا تتعدى بعض الأحيان التسعين كلمة فقط. فإذا كان مصطفى كشخص، كوطني، كمناضل يرفض القهر ويرفض السجن ويرفض السوط فإنه هو ككاتب يكون قد مارس القهر على نصوصه وعلى قصصه القصيرة وراح يجلدها بقلمه حتى ترضخ له ولفنه. لقد كتب نصوصه رغما عنها في القالب الذي يريد هو وبالطريقة التي يتصور. فهذه أول مرة يظهر، ربما في الوطن العربي كله، كاتب له قدرة خارقة على أخذ النص: تقنية، لغة، طريقة سردا ويعجنه كيفما أراد في يده حتى يخرجه بالطريقة التي يريده بها هو لا كما يريد النص أن يكون. فالكثير من الكُتاب يفلت النص من يده، خاصة أثناء كتابة القصة القصيرة، ويتبعثر أمامه وبدلا أن يكتب الكاتب النص، يكتب النص الكاتب، أي أن النص هو الذي يتحكم في الكاتب. هذا لم يحدث مع المصطفى في كل ما يكتب. حين نكتب يخرج من النص الكثير من الذيول والزوائد والأحداث والحوارات ونحتار في كيف نتخلص منها وكيف نهذبها ونشذبها. هذا لم يحدث مع كاتبنا، فمصطفى يكتب بوعي حاد ويعرف كيف يشحن نصه بكل ما يريد في أقل ما يمكن من الكلمات وهذه هي فعلا القصة القصيرة الحديثة وهذا هو فنها.
من جهة أخرى، يبدو لي أن الطريقة التي يكتب بها مصطفى هي أصعب طرق الكتابة على الإطلاق، فهو على ما يبدو حين تتبلور الفكرة في ذهنه يرغمها أن تخرج مفهومة ومحبوكة وذات موضوع في اقل عدد من الكلمات. إن هذا النوع من الكتابة هو أشبه بالنحت أو الوشم، فالكاتب ملتزم أمام نفسه وأمام قارئه أن يخرج النص كما يريد: مجموعة من الكلمات منتقاة بدقة وبمهارة تختصر نصا كان يتطلب الصفحات على الصفحات والمفردات على المفردات.
مرة أخرى هنئا على صدور المجموعة القصصية وهنئا على ميلاد كاتب خارق موهوب
|
| |
|
|
|
|
|
|
مقالات |
|
|
تحقيقات وتقارير |
|
|
احداث مصورة |
|
| |
| |
|