|
هشاشة الأطروحة المغربية في " الحقوق
التاريخية
" :
إن الحدود
الطبيعية بين الصحراء الغربية و المغرب تقع بين واد نون وواد درعة، و لكن
كما هو الحال في العديد من المستعمرات الافريقية فإن الحدود قد غيرت، إن
السلام اليوم أصبح رهين بعدم المس و إحترام الحدود الموروثة عن الحقبة
الاستعمارية، فقد تم تحديد الحدود الرسمية للصحراء الغربية بين اسبانيا و
فرنسا تباعا في 27 يونيو 1900 وفي اكتوبر 1904 في باريس وفي نونبر 1912 في
مدريد، و لكن حتى لو أخدنا بالحدود التي حددها الاستعمار فان الحدود
الدولية للصحراء الغربية تمتد حتى واد درعة، و يجب الاشارة إلى الوجود و
الاستقلال التاريخي للشعب الصحراوي والصحراء الغربية.
وفي هذا
السياق فقد أكد " روبيرت مونتان" أن واد نون يشكل " الخط الفاصل بين
نظامين اجتماعيا و سياسيا مختلفين " قبل ان يضيف " لا يوجد أي تفاهم أو
توافق بينهما"، بالنسبة للكاتب " دهيبة" فهو نوع من حق رسم المرور
فهي كثيرة الاستعمال في واد نون في حين غير معروفة تماما في الشمال" (24).
و قد كتب "
مارك روبيرت توماس "(25) في سنة 1960، والذي جاب المنطقة عدة
مرات " آعترافات، ملاحظات، معاينات، والتي أكدت لي مدى صحة نظرية الأستاد
مونتان: توجد حدود محددة بجبل باني وكمكم، نوع من التلال المتعددة لكنها
منفصلة بعضها البعض، فمن أمام حائط حقيقي مخترق بفتحات ضيقة هذه الأخيرة
توجد بواحات لها جبال وكل أسماءها تبدأ بكلمة فوم، بالعربية تعني كلمة فم
، عند الآنتقال من المغرب نحو الصحراء الغربية فإنها تنتقل إلى عالم مختلف
بمؤشرات لا تحصى و لا تعد يمكن اجمالها في :
* تحول الغطاء
التباتي بين الجنوب الصحراوي والشمال المغربي.
* الإختلاف في
الزي : في الشمال نجد اللباس الأبيض وقي الجنوب نجد الرجال الزرق.
* الإختلاف في
العادات، شمال القوم نجد: الحمير، البغال، و الدواجن، وفي الجنوب لا نحد
سوى الجمال.
* الإختلاف في
نمط الحياة : في الشمال نجد الإستقرار و الفلاحة وفي الجنوب نجد الرعاة
الصحراويين والقوافل حيث الحركة هناك متجهة نحو الجنوب.
* الإختلاف قي
الحلاقة : المنتشرين في الشمال لهم شعر مختلف خلاف الرعاة في الجنوب ذو
الشعر الطويل.
* الاختلاف
المعماري : سكان الشمال لهم مميزات و أشكال مساكن ذات طوابق وفي الجنوب
فلديهم النمط السوداني، ويذكر أيضا في تمبكتو و جاو.
* الإختلاف في
اللغة : سكان الشمال يتحدثون المغربية، البربرية و سكان الجنوب يتحدثون
الحسانية، لغة مشتقة من العربية الفصحى.
و من هنا يظهر
لنا جليا الإختلاف الشاسع بين الساكنتين.
المؤرخ
التاريخي " السلاوي" في كتابه (26) " الاستقصى في أخبار
المغرب الأقصى" على أن " منطقة المغرب الأقصى ( المغرب الحالي)
محدودة بملوية و جبال تازة في الشمال بالمحيط الأطلنتي، و في الجنوب
بالأطلس " و إستنادا لابن خلدون (27) المغرب الأقصى محدود شرقا
بملوية و يمتد حتى آسفي و ينتهي بالساحل الغربي لجبال ديرين" وهذه الأخيرة
كلمة تعني درعة.
-
و قد
أعلن المفوض الفرنسي بالأمم المتحدة نفس الشئ أيام الدورة الخامسة عشر
الجمعية العامة مفنذا بذلك أطروحة المغرب في" الحقوق التاريخية" ضد
موريتانيا و أن " سيادة الدولة المغربية، يمكن تحديدها عن طريق التعيين
الاداري، و جمع الضرائب و الاتاوات، و هذه الأخيرة لم تمتد وراء واد درعة"
(28)، " ان الحكومة الموريتانية تؤكد أن هذا الاقليم كانت معمرة من
قبل قبائل مستقلة تماما عن السلطان المغربي".
وقد نشر
الأستاد" موريس باربييه" في جامعة نانسي 2 (فرنسا) سنة 1984 شهادات
لثلاث فرنسيين في جولة قصيرة في الصحراء الغربية في اتجاه نهاية الفرن
الثامن عشر 18: " برسيون"، " فولي" و " سونييه" حكوا
أن الصحراء الغربية " أن سكانها عددهم لابأس به لولا الحرب المستمرة ضد
المغرب" (29)، " خلافا للأصول فإن هذه الساكنة تمردت ضد آمبريالية
المغرب لأنهم لم يخضعوا قط لها (30)، وفد لوحظ إسقلال الشعب
الصحراوي سنة 1850 ( بالنسبة لقبائل الساقية الحمراء) من طرف " ليوبولد
باني السينغالي (31) و من طرف الاسباني " جوشيم كاتيلي"
وفي سنة 1869 ( بالنسة لقبائل تكنة التي تعيش بين واد درعة و الساقية
الحمراء ) (33) وقد كنب القنصل الأمريكي بطنجة "فيليكس ماتيوس"
في سنة 1891، أن ساكنة واد نون مستقلة تماما" (34).
شهادات أخرى
فاضحة ففي سنة 1875، القنصل الاسباني " بموجادور" بعث في رسالته
موجهة إلى وزير الخارجية في 12 أبريل 1875 " الرغبة الكبيرة لساكنة تكنة
المستقلة في إقامة علاقات تجارية مع اوربا" (35) ، السيد "راو"
كتب من جانبه في سنة 1884 أن " المغرب يمتد من الحدود الجزائرية حتى واد
درعة و أن الأرض التي تمتد جنوب المغرب، بمسافة 720 ألف و على محيط صحراوي
و بدون وديان ( الصحراء الغربية) فإن فرنسا تعلنه جزءا مستقلا " (36).
" مارك
روبيرت توماس" و الذي درس مع الأمير – الملك مستقبلا- الحسن الثاني "بأيكس
اونبروفونس" بفرنسا و أيضا مع العديد من الشباب المغربي، الذين أصبحوا
بعد ذلك كوادر عليا للادارة المغربية، يشهد أنه ناقش معهم تخلي اسبانيا عن
طرفاية، و أكد أنه لم يعيروا آهتماما لموضوع الصحراء الغربية" (37).
و هذا ما أكده
الأسناد " فرانسيس دو شاسي" أن " فيما يخص قبائل الصحراء الغربية لم
تكن لهم علاقة مباشرة مع المملكة المغربية منذ آنشأها الأدارسة (نهاية
القرن 8) وحتى القرن 16، علاقة على أرض الواقع لا وجود لها"(38).
هذه الشهادات
تؤكد بامتياز اقرار السلطان المغربي نفسه محمد بن عبد الله و الذي كتب في
28 ماي 1767 في رسالة إلى ملك اسبانيا " يعلن جلالة السلطان و ذلك تشاورا
مع جلالته الكاتوليكي أنه ليس بمسؤول عن الحوادث التي تقع جنوب واد نون لأن
اسبانيا لا تمتد حتى تلك الربوع"(39)، ابو نصر، ابن السلطان مولاي
اسماعيل (1727-1692) ثار ضد أبيه ثم طرد من المغرب، ليحتمي عند الصحراويين
الذين احتضنوه و لكنه عندما حاول السيطرة عليهم و كسر استقلالهم " رفضوا
الاعتراف بأية سلطة عليهم ثم قتلوه بأرض تيرس 1313.
و كل هذه
الدلائل تثبت أن المغرب لا يمارس أية سلطة على الصحراء الغربية قبل
الاستعمار الاسباني، و أن سكان الصحراء الغربية، كانوا مستقلين، بعددهم،
بتنوعهم،واستقراريتهم، إن هذه الشهادات تفنذ أيضا أحد ملاحظات محكمة العدل
الدولية في أن هناك بعض الفروع و ليست قبائل لها روابط قانونية مع السلطان
المغربي، في هذا السياق الحكومة المغربية أثارت ما أسمته إخلاص الشيخ بيروك
للسلطان، وهو ما كذبه التاريخ، و الدليل هو الإتفاقية التي وقعت سنة 1841
بين الشيخ و فرنسا " حضرت الاتفاقية ابتداءا من 1836 من طرف " ديلابورت"
قنصل فرنسا قي الصويرة ووقعت 16 سبتمبر 1840 ( أي 44 سنة قبل مؤتمر برلين)
بين اليد " بوي" وكيل فرنسي بسان لويس، مع "مبارك عبد الله سالم"
المسمى بيروك "أمير واد نون" والذي بموجب هذه الاتفاقية تخول لفرنسا
وحيدة التجارة بساحل واد نون" (40).
وبهذا فان
الشيخ بيروك " الذي انتخب شيخا لقبيلته"
والذي
أعطاه السلطان رتبة قائد بدون علمه و ذلك للالتزام بسلطته عليه أو لصرفه عن
الهجوم على مملكته إنها ليست الا " رتبا شرفية تعطى لأشخاص في أماكن أخرى
فرضو وجود سلطتهم وشرعيتهم" (41)، ومن ناحية أخرى فان سلطة الشيخ
تعادل نظيرتها لسلطان المغرب و هو ما أكده تقرير موجه إلى ملك بلجيكا "
ليوبولد2" في 2 ديسمبر 1888 (42) مذكرين بأنها أراضي بعيدة داخل
الحدود الدولية المعترف بها للمغرب شمال الصحراء الغربية، و عاصمة الشيخ
بيروك هي كلميم ( واد نون ).
لم يخضع قط
الشيوخ و رؤساء القبائل الصحراوية ( بكل تأكيد في إطار التضامن الإسلامي)
لأية سلطات أجنبية أو أية وصاية خارج سلطة المجموعة الصحراوية، ونظرا
للظروف التاريخية الخاصة، فإن دعوات دعم و مساندة وجهت من طرف شيوخ
صحراويين للسلطان بالمغرب، و ذلك لمواجهة الخطر الأجنبي، و من منظور أنه ذو
وزن إسلامي في كل الدول المجاورة و يجب التذكير هنا نداءات أخرى وجهت لدول
أخرى، و أن دول أخرى وجهت هذه النداءات للسلطان المغربي مثل الجزائريين
الذين خاضوا معارك شرسة ضد المستعمر الفرنسي، و أيضا الموريتانيين في مطلع
القرن العشرين" أحمد الهيبة، ابن الشيخ ماء العينين و جه في 28 أكتوبر 1916
رسائل إلى سفراء ألمانيا و تركيا بمدريد على التوالي و ذلك إلى الحاكم "
مكيوم" و السلطان " محمد رشاد الخامس " لطلب الدعم و السند.
و أخدا بعين
الاعتبار هشاشة كل الروابط، فإن محكمة العدل الدولية، و أنه رغم وجود هذه
الروابط " فان مطالبة المغرب بممارسة السيادة على إقليم الصحراء الغربية"
والتي رفضت بقوة (44)، فإن محكمة العدل الدولية تؤكد بأن الحجج
المغربية لاتنفي بتاتا وجود روابط بين المغرب و الصحراء الغربية" و لكنها
لا تغير مبدأ تقرير المصير، و في هذا السياق لا يمكن نفي و جود روابط (
دينية، اقتصادية، قانونية و أخرى) و لكن لا تمثل دليلا كافيا لتأكيد مطالب
المغرب و إدعاءاته و أدلة أخرى، و كما يحدث في جميع أنحاء العالم فمثلا
بافريقيا و أمريكا الجنوبية دولا هناك تستولي على جزء من أرض دولة مجاورة و
التي لها عدة نقط مشتركة، كما هو الحال بالنسبة لمدينة طرفاية، التي منحت
هدية و أجرا للمغرب على مساندته للجيوش الفرنسية و الاسبانية أثناء حروبها
ضد المقاومة الصحراوية في سنتي 1957، 1958، و أنها لم تكن قط تحت السيادة
المغربية ذلك ما أكده الأستاد " موريس باربييه" الذي اعتبر" من وجهة
نظر قانونية و تاريخية فليست لهذه المنطقة قط علاقة تبعية للمغرب" (45).
لختم هذا
الفصل، أريد أن أدقق أخي، أن احتلال اسبانيا للصحراء الغربية لم تحدث قطع
أوصال للمغرب و لم تخترق سيادته، لأن بكل بساطة احتلت أرضا لم تكن مغربية،
إن الأطروحة المغربية في "الحقوق التاريخية" لا أساس لها من الصحة
بل أكثر من ذلك وكما أكد القاضي اللبناني لمحكمة العدل الدولية السيد"
امون" " أن الأدلة المرتبطة بالمطالب الاقليمية و الترابية مهما كان
وزنها التاريخي، يجب أن تتطابق و إرادة الشعوب في التعبير تماشيا مع معايير
الأمم المتحدة" (46). |