|
كانت
فرصة الهدنة ككل الفرص الثمينة لا تعوض، وبما انها كانت كذلك تتيح في
الغالب الاعم لاهل العقول واصحاب الرأي والمشورة فسحة للتفكير بروية في
دواعي الحرب وفي نتائجها، بالتدارس وتبادل الرأي في المكاسب والانجازات
التي تحققت او المشاكل والصعوبات التي انجرت عنها.
واذا كانت
الحرب التي سبقت الهدنة حربا توسعية بمعيار الشرعية الدولية، فانها ايضا
كانت عدوانية بكل المقاييس.
لقد اقدم
المغرب على احتلال الصحراء الغربية بنزعة المستعمر وبخلفيته التوسعية فرضي
باقتسامها مع النظام الموريتاني بموجب اتفاقية مدريد اقتداءا باتفاقيات "�سايس
بيكو"?
و�"ايكس
ليبان"?
وغيرهما، وتكفل بالقضاء على شعبها او حمله على �الخضوع
المطلق للعرش العلوي في المغرب.
ولكن اذا
كان هذا الاخير مدفوعا برأي العديد من الملاحظين والمحللين بضغط داخلي مزمن
حمله على تصريفه باكثر الطرق دموية فما هي دوافع الشعب المغربي الذي زج
بابناءه ليكونوا حطبا لحرب خاسرة؟
قد يبدو
عامل السيطرة المطلقة وغياب الرأي الاخر والاستبداد المستشري داخل فئات
الشعب المغربي من بين تلك الاسباب الرئيسية، ولكن هذا لا يغيب ايضا اسبابا
اخرى من قبيل الطمع والجشع الذي يحركه في النفوس الضعيفة وهم كنوز الملوك
في قصص الف ليلة وليلة.
لقد كانت
الغالبية العظمى من المتطوعين المغاربة فيما سمي با"لمسيرة الخضراء"
مدفوعين بوهم الحصول على ذلك الكنز الذهبي في الساقية الحمراء وواد الذهب.
والان وبعد
ستة عشرة سنة من حرب ضروس وخمسة عشرة سنة من الهدنة الا يتساءل ذووا العقول
والمشورة في المغرب عن جدوى احتلال الصحراء الغربية وعن عائدات الحرب التي
اعلنوها على جيرانهم واخوانهم في الدين وفي المصير؟
الم تكن
نتائجها وخيمة اقلها، فقر مدقع وجهل مستشري في غالبية البيوت المغربية،
التي عجزت حتى عن تسديد فواتير الماء والكهرباء وعمها الياس بعد ان تبخرت
احلام الامس حول غد مشرق تضمنه الشهادات العليا.
الم يدرك
الشباب المغربي ان الشهادات العليا لم تعد تشبع ولا تغني من جوع، في مغرب
البيروقراطية والمحسوبية والتزوير.
الم ينخدع
بما سمي بالعهد الجديد بالدخول في اعتصامات سلمية مشروعة اعقبتها اضرابات
عن الطعام كادت ان تؤدي بحياتهم ولا حياة لمن تنادي.
الم
ينخرطوا في المشاريع الوهمية التي بشر بها �"العهد
الجديد"?
ضمن ما سمي بالتنمية البشرية لينتهي المطاف بالكثيرين منهم طعما لسمك
المحيط في قوارب الموت؟
اما
المجندون الذين جلبوا العار لعائلاتهم بقتلهم للابرياء من النساء والاطفال
والشيوخ، الم يقضى على الآلاف المؤلفة منهم في حرب لا ناقة لهم بها ولا
جمل ولازالت اراملهم وابنائهم في وضعية مزرية؟
الم تسقط
الآلاف منهم في شراك الأسر فلما عادوا بعد الافرج عنهم وجدوا عائلاتهم في
حالة سيئة، فانتهوا بدورهم الى نفس المصير؟
ان فترة
الهدنة كانت كافية لحفظ ماء وجه نظام المخزن بالتراجع عن التمادي في
مغامرة احتلاله للصحراء الغربية الذي لا يستند الى اي منطق، وكانت كافية
لتضميد الجراح وردم الهوة التي عمقتها سنوات الحرب الشرسة التي سحقت الاف
الابرياء ناهيك عن ملايين الدولارات التي تحتاجها التنمية الحقيقية لترقية
المواطن المغربي المثقل بهمومه واليائس من مستقبله في ظل وضع لايزداد الا
سوءا.
ان على
العقلاء من الشعب المغربي الشقيق ان يتمعنوا في الامر وان يواجهوا سياسات
النظام المخزني الهرم التي تقودهم الى الهاوية. تلك السياسات التي تعيش على
التناقضات بالداخل واذا ما بلغت ذروتها عمدوا الى تصديرها الى الخارج في
شحنات من الحقد تارة ضد جيرانهم في الشمال واخرى ضد جيرانهم في الجنوب.
لقد تأكد
بالدليل ان نظام الاحتلال المغربي يستعد لاعلان الحرب التي لا مناص منها
وهي خطوة في سلسلة من الخطوات بدأها برفض قرار مجلس الامن الدولي 1495 الذي
منح له ما لم يمنح للطرف الصحراوي وآخرها رفضه القاطع المانع وغير المبرر
للاستفتاء .
وعن جدوى
هدنة كانت مشروطة بالاستفتاء تجيب هذه الايام ابواق الدعاية المخزنية التي
شعرت بقرب نفاذ الصبر ولكنها اخطأت التقديرلان من يتجاهل الشرعية الدولية
ويرفض تنظيم الاستفتاء هو الذي يعلن الحرب التي ستكون وبالا عليه اكثر من
سابقاتها. |