|
تحل الذكرى 15 لاتفاق وقف اطلاق النار الذي تم توقيعه بين المغرب وجبهة
البوليساريو في السادس من شهر سبتمبر 1991 وفيما يعتبر توجها منافيا لاهداف
المرحلة، اتسعت الهوة بين طرفي النزاع المغرب وجبهة البوليساريو خلال
مرحلة وقف اطلاق النار، التي كان يفترض ان تشهد تقاربا وتعاونا بينهما
بالشكل الذي يسهل مامورية الامم المتحدة، التي اضطلعت بمهمة تطبيق مخطط
السلام الاممي الافريقي الذي يتضمن خطة متكاملة لاجراء استفتاء عادل ونزيه
يقرر من خلاله شعب الصحراء الغربية مصيره بنفسه.
وكانت المواجهات العسكرية التي دارت رحاها في حيز جغرافي محدود، لازيد من
16 سنة وحصدت الارواح وخلفت الضحايا، قد استبدلت بمواجهات دبلوماسية
وسياسية ومخابراتية لاحدود جغرافية لها، لتعكس مع الوقت نوايا اطراف
النزاع المتباعدة والمختلفة في التعاطي مع المرحلة الجديدة التي وصفت
تجاوزا بالسلمية، ونسفت بالتالي كل الامال في تحقيق تقارب وتعاون بينهما
على المدى المتوسط.
فما هي البدائل المتوفرة والممكنة خارج اطار التعاون والتقارب بين المغرب
وجبهة البوليساريو، وما هي السبل الممكنة لتنفيذها؟
حاول المغرب منذ احتلاله للصحراء الغربية ان يكون حكما في نزاع كان سببا في
نشوبه وطرفا اساسيا فيه، وسعى الى تقديم اقتراحات لحله تتنافى من حيث
الجوهر مع طبيعة النزاع باعتباره حسب ما نصت عليه اعراف وقوانين هيئة الامم
المتحدة قضية تصفية .
لقد كان المغرب اول من عرض القضية الصحراوية على محكمة العدل الدولية سنة
1975، ولما نطقت بحكمها الاستشاري القاضي بنفي اية رابطة سيادة بين سكان
الصحراء الغربية والمملكة المغربية، ادار ظهره للشرعية الدولية وتمادى في
تنفيذ مخططه الاستعماري.
لقد اعتبر
القضية الصحراوية شئنا مغربيا داخليا، وسماها انذاك بالملف المطوي وسعى
على الارض الى اجتثات جذور المقاومة الصحراوية بالداخل من خلال التصفيات
الجسدية والسجون والمعتقلات وغيرها من الاساليب التي كشف عنها الناجون من
سجون "�اكدز"
?
و"�قلعة
مكونة"?
و"�درب
مولاي الشريف"?
و"�البيسيسيمي?"
وغيرها واكدت جانبا منها ايضا هيئة الانصاف والمصالحة?
التي كشفت عن مقابر جماعية للصحراويين.
وعلى
الجبهات العسكرية عمل بمنطق الابادة الكاملة لمن اسماهم باعداء الوحدة
الترابية، وضحايا قصف "ام دريكة" ب�النابالم
?
و�الفوسفور
الابيض?
خير شاهد على ذلك.
وعلى
الجبهة الدبلوماسية والسياسية استغل اجواء الحرب الباردة ليدرج قضية
الصحراء الغربية ضمن حسابات جيو- سياسية بين الاقطاب الكبرى محاولا تكريس
الاعتقاد بان اعضاء المقاومة الصحراوية ما هم الا "�مرتزقة"?
من دول مختلفة مجندون لزعزعة ما كان يسميه �"استقرار
المغرب"?
والتشويش على توجهه �
"الديمقراطي?
وتجربته�
الليبرالية الفريدة والرائدة" ?
في شمال غرب افريقيا .
ولما ادرك ان سياساته لم تتمكن من القضاء على المقاومة المسلحة التي اثبتت
وجودها على الارض، وافشلت كل رهاناته بما فيها رهان القضاء عليها بالنفي
والابادة لجأ الى المناورة والخداع بالبحث عن حلول اخرى تضمن استمرار
احتلاله للصحراء الغربية فاقترح تنظيم استفتاء لتقرير مصير المستعمرة
الاسبانية سابقا، في مؤتمر نيروبي سنة1981.
لقد شكل
اقتراح المغرب لتنظيم استفتاء، ارضية مناسبة للبحث عن حل سلمي وعادل، رغم
ان الدبلوماسية المغربية انذاك كانت تسعى من خلال طرحها "�المتقدم"?
الى تفادي او على الاقل تاخير انضمام الجمهورية العربية الصحراوية
الديمقراطية الى الوحدة الافريقية انذاك، اكثر من سعيها للبحث عن حل دائم
وعادل للنزاع، وهو الموقف الذي اتضح بعد ذلك عندما بدأ المغرب يراوغ دون ان
يقدم تصورا حقيقيا للحل وعلى الارض استمر في بناء احزمته الدفاعية.
لقد ادى فشل الرهان على سياسة الاحزمة الدفاعية لصد هجومات قوات
البوليساريو التي انتقلت الى مرحلة جديدة اتسمت بالكثافة والتركيز
واستطاعت ان تخترق دفاعاته وان تحطم نسبة مئوية معتبرة من عتاد وقوة اكبر
حامية للتدخل السريع والنجدة على طول الحزام الدفاعي في ظرف وجيز ناهيك عن
خطة الاستنزاف التي اربكت قواته ورفعت فاتورة المصاريف التي قدرت بمليار
يوميا، الى اظهار الاستعداد للقبول بمخطط السلام الاممي الافريقي الذي تم
بموجبه وقف اطلاق النار.
لقد اعتبر
اتفاق وقف اطلاق النار في حينه مكسبا كبيرا تحقق بفضل جهود المنتظم الدولي
وتعاطي طرفي النزاع �المغرب?
وجبهة البوليساريو، اذ بامكانه لو توفرت الارادة السياسية لدى المغرب ان
يفسح المجال لتنظيم استفتاء تقرير المصير الذي سيؤدي حتما الى طي نهائي
للملف، الا انه تاكد بعد ذلك ان المغرب الذي وافق على وقف اطلاق النار انما
كان يهدف الى تهدئة الجبهة العسكرية مقابل اشعال جبهات اخرى سخر لها كل
امكاناته المادية والبشرية وتجربته المخابراتية فكانت اوسع نطاقا من الحرب
التي سبقتها وظل اتفاق وقف اطلاق مجرد اطار يرسم حدودها و يوفر الغطاء
الانسب لاستثمار نتاجه.
ان نظام الاحتلال المغربي الذي راهن على تغيير الخارطة الديمغرافية
للمصوتين وضمان تدخل ادارته في مجمل العملية الاستفتائية توازيا مع
محاولات اخرى من قبيل نشر الياس والقنوط في صفوف الصحراويين واستخدام
الاموال لشراء الذمم وبث سموم التفرقة في محاولات يائسة للتاثير على
اتساع نفوذ جبهة البوليساريو الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصحراوي، كان
يراهن بشكل خاص في تحقيق تلك الاهداف مجتمعة على علاقاته المشبوهة مع
الحلف الاطلسي الذي خرج للتو منتصرا من الحرب الباردة، بالاضافة الى
استثمار تجربته الديبلوسية والسياسية، والمخابراتية مقابل تجربة
البوليساريو الفتية، في حين تشبثت البوليساريو التي وجدت نفسها وجه لوجه
امام معارك جديدة اكثر شراسة من سابقتها، بنزاهة العملية الاستفتائية وعبرت
عن استعدادها للتسليم بنتائجها في ظل الشفافية والنزاهة معتمدة على انتصار
قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في العالم، ومراهنة على المجتمع
الدولي الذي يفترض فيه قدرا كافيا من الاستعداد للدفاع عن الشرعية الدولية
وحق الشعوب غير القابل للتصرف في تقرير مصيرها ،بما فيها الشعب الصحراوي
الذي ينتظر ان تعطى له فرصة الادلاء برايه في شان يهم مصيره،
فحاولت
استثمار تاريخها الكفاحي والنضالي النظيف وعلاقاتها الطيبة مع الشعوب
المجاورة بالقدر الذي يوفر مزيدا من التاييد للقضية العادلة التي تدافع
عنها والمحسومة دوليا بكونها قضية تصفية استعمار، ويبدو ان سعي الاحتلال
المغربي من جانب واحد لحسم القضية لصالحه باستعمال كل ما يملك من طاقات
ونفوذ قد بلغ ذروته بفعل الضعف والوهن الذي اصاب البعثة الاممية لتنظيم
الاستفتاء المعروفة اختصارا ب�المينورسو?
التي لم تكن حاسمة في قراراتها لتطبيق الاستفتاء الذي جاءت من اجله الى
المنطقة مما جعل جهودها تؤول الى الفشل وجعل الاطراف كل من جانبه يتجهان في
خطين متوازيين لربح معارك تدار تحت مظلة الامم المتحدة، والان وبعد فشل كل
الرهانات، والسياسات والمعارك تاكد ان طي ملف الصحراء الغربية لايمكن ان
يكون شرعيا ونهائيا الا بمنح الشعب الصحراوي فرصة اختيار مصيره بنفسه عبر
استفتاء عادل ونزيه تشرف عليه الامم المتحدة، وهو الخيار الذي جسده القرار
الاممي الافريقي الذي حظي بموافقة اطراف النزاع المغرب وجبهة البوليساريو،
ولا يتنافى مبدئيا مع حق الشعوب في تقرير مصيرها ناهيك عن كونه وسيلة
شرعية مثلى لتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، فهل ستفي الامم المتحدة
بوعودها للشعب الصحراوي ام ستتركها مظلة تدار تحتها فصول حرب غير مشروعة
بوسائل قذرة؟
|