|
لقد اكد
الاعتقال الاخير لأكثر من 90 عضوا في تنظيم مغربي "ارهابي" يطلق على نفسه
اسم "انصار المهدي"، حسب الرواية المغري الرسمية. وبغض النظر عن صحة
المعلومة او عدم صحتها ، وعن تناقض المعلومات والتحاليل حول حقيقة الامر
وخلفيات الاعلان عن هذا الحدث الان، فإن أوضاع المغرب عموما لا تبشر
بالخير، وان النظام الحاكم هناك قد تمادى في استفزاز "المواطن" المغربي،
والضغط عليه الى درجة ان اصبحت التنظيمات "الجهادية"، دائما حسب الرواية
الرسمية، قادرة على تجنيد وتشكيل الخلايا "الارهابية" من الجنود، وضباط
الشرطة، ومن الدرك الملكي نفسه، بل ومن امن القصر الملكي المغربي، اي من
مختلف الاجهزة الامنية نفسها.
ولقد كانت
تفجيرات الدارالبيضاء "الارهابية" (2003)
وتفجيرات مدريد التي ثبت تورط مغاربة في تنفيذها، "مفاجأة" للعالم الغربي
والعربي اللذان كانا الى وقت غير بعيد يراهنان على اعتدال واستقرار المملكة
المغربية، انسياقا منهم وراء الشعارات التي عمل القصر على الترويج لها،
ونجح الى حد كبير في ترسيخها في ذهن الراي العام الدولي بفضل حنكة الملك
الراحل، الحسن الثاني، الذي اتقن اللعب على التناقضات الدولية و تناقضات
التيارات السياسية ببلاده ليحركها بيادقا لاحيلة لها في رقعة النظام الملكي
الذي عمل على التأسيس له منذ كان وليا للعهد، نظاما ملكيا، شموليا يمسك
بيده كل مقاليد الحكم.
ولكن هل
يمكن فعلا اعتبار بروز ظاهرة "الارهاب" الاسلاموي على ساحة الحدث بالمغرب،
ظاهرة جديدة دخيلة على الفكر والعمل السياسيين بالمملكة؟ ام ان لهذه
الظاهرة جذورا واسبابا نابعة من طبيعة الصراع السياسي بالمغرب، وطبيعة
الحكم الملكي بالمملكة نفسه، على خلفيات الاختناق الاجتماعي والاقتصادي
والفكري الذي عاشه المغاربة وتعايشوا معه لعقود دون ان تكون بايديهم ادوات
سياسية حقيقية لادارة صراع ديمقراطي حضاري مع المخزن للاسهام فعلا في بناء
"دولة القانون" التي يرفعها نظام الحكم بالمغرب شعارا جديدا لذر الرماد في
العيون؟
بداية،
لابد من استبعاد النظرية القائلة بغرابة ظاهرة الارهاب عن المغرب، والتي
رفعتها العديد من الجهات في محاولة لتطويق آثار عملية الدار البيضاء على
صورة المغرب. والسبب في استبعادها هو ان التاريخ السياسي المغربي حافل
بانفجارات العنف والعنف المضاد من النظام المغربي، بما يجعل لهذه الظاهرة
جذورا تاريخية لايمكن تجاوزها.
ولكي لا
نتهم بالقفز الى النتائج دون ادلة تثبتها، لابد من استعادة بعض اهم الحقائق
التي نرى انها تقف كخلفيات تاريخية لانفجار هذه الموجة من الغضب الحاقد،
والتي في نظرنا ستظل سببا في تفريخ المزيد من المحبطين واليائسين الذين لن
يتوانوا في لحظات الحقد عن التنكر لانسانيتهم ولمبادئ الاسلام التي يدعون
دفاعهم عنها، مادام نظام الحكم المغربي متشبثا بشعاراته المستفزة، واسس
حكمه القروسطية التي لن تزيد اختناق المجتمع المغربي الا عمقا وسوءا.
إن لظاهرة
"الارهاب" بالمغرب علاقة دياليكتيكية بالكم الهائل من التناقضات والمشاكل
الاجتماعية والاقتصادية، زادها سوءا طبيعة العلاقات السياسية بين مختلف
الاطياف السياسية (والتي تدعي العديد من الاستطلاعات انها لا تمثل الا نسبة
ضئيلة من الشعب المغربي، اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان عدد المشاركين
الفعليين في جل الانتخابات المغربية لم يتعدى قط 6 ملايين ناخب من اصل
حوالي 17 مليون ناخب محتمل)، والعلاقة الغير صحية بتاتا بين القوى السياسية
والنظام الحاكم بالمملكة. لهذا، سنبدأ باستقراء الاسباب والملابسات
السياسية التي نراها ذات علاقة بظاهرة التعبير العنيف عن الراي السياسي
الذي بلغ ذروته مؤخرا، كما قلنا، على الاقل اذا ما اخذنا بعين الاعتبار
الصدى الاعلامي الذي حضي به في زمن "الحرب الدولية على الارهاب".
لقد عمل
الملك الراحل ومنذ توليه مقاليد الحكم على التاسيس لنظام حكم ملكي مركزي
شمولي، اراده مختلفا عن نظام والده الغير متماسك. ولكي يتمكن من بسط سيطرته
التامة على الفعل السياسي، وضع نصب عينيه تصفية كل الرموز الوطنية المغربية
السابقة لعهده، والتي كانت قد اكتسبت شرعيتها السياسية والقيادية من
نضالاتها ضد الاستعمار الفرنسي.
عمد الملك
الراحل منذ البداية الى استمالة القيادات الحزبية المعتدلة رغم ان تحالفه
معها كان مجرد تحالف تكتيكي، وعمد بكل الاساليب الى تصفية او ابعاد القوى
التقدمية وخصوصا منها رموز الاتحاد الاشتراكي آنذاك (المهدي بنبركة، لفقيه
البصري وآخرين). وبطبيعة الحال قام الملك الراحل منذ بدايات حكمه بشن حرب
تصفية جسدية حقيقية ضد قيادات واعضاء جيش التحرير، من الصحراويين والمغاربة
على حد سواء، خصوصا التي رفضت منها التحالف مع القصر معتبرة توجهاته
السياسية وتعامله مع اعوان الاستعمار وخصوصا العسكريين منهم (اوفقير
وادليمي...) خيانة لنضالات الشعب المغربي والشعوب المجاورة.
وفي خضم
هذا الجو المشحون برزت على الساحة تيارات سياسية شابة ذات توجهات يسارية،
ولدت وترعرعت في احضان الجامعات والمعاهد المغربية، وتكونت بعض قياداتها في
احزاب المعارضة آنذاك (الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية...). وكانت
خطورة هذ ه التيارات تكمن في تجرأها على مساءلة مشروعية النظام الملكي من
اساسه، ناهيك عن نظام ملكي متخلف يسعى للسيطرة على كل اسس الحكم بالبلاد.
كما تنبه
الملك الراحل الى خطورة الجيش على حكمه، زكته في ذلك احداث انقلابات 71
و72. عند هذا الحد بنى الملك الراحل استراتيجية شاملة لتلجيم كل هذه القوى
دفعة واحدة، وشرع في الحديث عن "اقاليم جنوبية" مستعمرة، ورفع شعار "المغرب
الكبير"، الذي كان اساسا شعارا قديما لحزب الاستقلال، تلقفه الحسن الثاني
لخدمة هدفه الاساسي المتمثل في بناء اسس حكمه الشمولي.
القى الملك
بالجيش في أتون مغامرة استعمارية غير محمودة العواقب ضد جيرانه الصحراويين،
وفي نفس الوقت وضع الاغلال السياسية في ايدي الاحزاب التي وجدت نفسها مضطرة
الى تبني شعارات الملك المتمثلة في "الوحدة الترابية"، "الاجماع الوطني"،
"قداسة نظام الحكم"..الخ. وهكذا اصبحت حركة المعارضة محاصرة بثوابت الملكية
التي لم تترك مجالا واسعا للفعل السياسي، مما سيحد من تأثيرها على الشأن
السياسي، ومما يفسر قلة اقبال المواطن المغربي على الانخراط في العمل
السياسي منذ السبعينات.
في الجهة
الاخرى، شكلت الجامعة المغربية التي احتضنت كما قلنا تيارات يسارية ذات
خطاب سياسي راديكالي يناقض خطاب القصر جملة وتفصيلا، تيارا معارضا جديدا
عمد الملك الى توجيه "بعض" من طاقته للقضاء عليه في المهد.
وقد بدأ في
ذلك فعلا، بشنه حملة اعتقالات وتصفيات لزعاماته طالت العديد من المناضلين
المغاربة خصوصا منهم مناضلوا منظمة الى الامام، و23 مارس اللتان صفيتا بشكل
كامل كتنظيمات سياسية. وللسيطرة على مد الفكر اليساري (خصوصا الماركسي
اللينيني الذي كان على "الموضة" آنذاك)، عمد الملك وفي الخفاء الى توفير
الجو الملائم لميلاد بعض التنظيمات الاسلاموية. بل ساهمت وزارة الداخلية في
خلق بعضها خلقا، والقاءها في وجه التيارات "التقدمية"، خصوصا بالجامعة في
عملية احتواء مبكر للتيارات اليسارية.
من هنا،
يتضح لنا ان النظام الملكي كانت له اليد الطولى في تشكيل وتوجيه مختلف
المعارك السياسية بين أطياف المنظومة السياسي |