|
إن الحديث اليوم في صالونات البيوت المغربية وفي قاعات التحرير لمختلف
وسائل الإعلام العاملة في البلد سواء منها الأجنبية أو المحلية يتمحور حول
سؤال واحد مهم وخطير في ذات الوقت. و ما دام كذلك فثمة ملاحظات لا بد من
استحضارها قبل طرحه ومحاولة استجلاء الأسباب التي أدت إلى إثارته.
قبل أكثر من أربع وثلاثين سنة عاشت المملكة المغربية بقيادة الملك
الراحل الحسن الثاني وضعا صعبا ومعقدا ولولا دهاء الرجل لأنهد القصر على
رأسه وسقط العرش. ولعل أبرز ما في المرحلة المذكورة من وقائع دالة على
تعقيدها هو تلك الروايات التي أسالت الكثير من الحبر والتي سبقت محاولة
الإطاحة بالنظام المعروفة بمحاولة انقلاب قصر الصخيرات. و هنا تحضرني بعض
الأشياء التي كتبت عن الموضوع، فقضية عبد السلام بن عيسى الذي كان وزيرا
للعمل والذي تم فصله سنة 1970 ولم يصدر عن ذلك أي بيان رسمي، ولم تقدم
حالته كالعادة للعدالة، فسرت على أنها ابتزاز لبيع مؤسسته بثمن بخس ، واتهم
أحد الصناعيين الفرنسيين من الدار البيضاء بخرقه للقوانين النقابية. وكان
بعض القضاة حسب نفس الرواية متآمرين في القضية. لكن ظهر أن للصناعي الفرنسي
بعض الأصدقاء من ذوي النفوذ، تمكنوا من التدخل لدى الملك.. وقد عزل هذا
الأخير كل من تورط في القضية وكلهم من البربر.
و في تلك الفترة جرى الحديث في وزارة الداخلية وفي الجيش عن تقديم عريضة
تطالب بإعادة من زعم أنهم من المذنبين إلى مناصبهم ، وأشير إلى أنه لو
كان أولئك من "الفاسيين" (هسبة الى مدينة فاس) لما لحق بهم أي عقاب . في
صيف 1970 انسحب من الحكومة كل من محمد بنهيمة ومحمد العيماني ، وهما من
أعمدة حالة الاستثناء التي كانت قائمة منذ 1965 في أعقاب أحداث الدار
البيضاء، وحدثت عملية الانسحاب تلك بعد الاستفتاء على الدستور والانتخابات
التشريعية، وترجم ذاك الانسحاب على أنه إزالة للحظوة عنهما .
وهكذا بدأ الحديث من جديد عن الفساد، لكن هل كان ذلك كافيا لتبرير ذهابهما؟
وحسب ما يبدو لا هذا ولاذاك كان متحمسا للدستور الجديد والبرلمان الأعرج
ولا يرغب أي منهما في أن يكون شريكا في اللعبة عن قرب. لقد أدى ذهاب
بنهيمة من وزارة الفلاحة إلى تجنب مشكلة الفلاحين المالكين بالغرب و الذين
قتل منهم ستة أفراد على أيدي الدرك الملكي في خريف 1970. هكذا إذا كان
المسرح مهيئا لمحاولة انقلاب الصخيرات بعد شتاء جديد من مظاهرات الطلاب
والإضرابات العمالية والاضطرابات الاجتماعية..
والحقيقة
أنه لا تعوزنا الروايات حول أحداث ربيع وصيف 1970 التي ستفضي إلى ما وقع في
الصخيرات، إلا أنها قصص لم يتمخض عنها أي تفسير نهائي مقنع. غير أنها تتفق
جميعا- باستثناء الرواية الرسمية-على الاعتراف بأن فساد الإدارة وسيادة
الإستنساب أصبحا أمرين لا يطاقان. وما كان أكثر إزعاجا وإذلالا هو أن
الأمرين كانا ذائعين أمام عيون الأجانب. يبقى أن الضباط الكبار لم يكونوا
خارج اللعبة. كما أن كثيرين منهم، إن لم يكونوا جميعهم، قد استفادوا من
مراكزهم، فالصفقات الرابحة غالبا ما كانت تقتسم بين كبار الضباط
والبورجوازية الكومبرادورية. من جهة أخرى فالجنرال المذبوح – أحد قادة
محاولة 1971- كان متزوجا من إبنة المرشال مزيان الذي كان قد زوج ابنتيه
الأخريين لعثمان بن جلون وخليل التازي وكلاهما من وجوه رجال الأعمال في
الدار البيضاء.
و هذه الروابط و الصلات العائلية كما هو الحال مع عائلات الخطيب وبوستة
وبنسليمان ليست قائمة على التضامن والود، ولكنها موجودة سلفا. ويحسن بنا
هنا أن نتذكر قبل أن نذهب بعيدا أن مصالح العسكريين والمدنيين كانت
متنافرة.
في الأخير يبدو من المعقول أن يكون الجنرالات قد أرادوا استباق الأمور
لمنع الوضع من أن يزداد تعفنا، وأن يحافظوا على فرص بقائهم وقطع الطريق على
العناصر المتطرفة في الجيش، وقد اتضحت هذه المقاصد الغائمة في ربيع 1971.
ويقينا تكشف أن قضية الرشوة و الفساد على نطاق واسع والتي تورط فيها محميو
الملك قد كانت حاسمة.
قد يدعي البعض أن تلك مرحلة من التأريخ ولت بحلوها ومرها، وأن أحداث
تاريخية عظيمة قد أقبرتها إلى غير رجعة، وهذا ادعاء ربما يجد ما يبرره لدى
الساسة المغاربة القائمين على تدبير الشأن العام في المغرب والذين يرفضون
الاعتراف بفشل السياسة المعتمدة منذ وصول محمد السادس إلى سدة الحكم .
لكننا لما نتوقف عند هذه المعطيات التي مضى على وقوعها ما يزيد على ثلاثة
عقود ونغوص في تفاصيلها فليس ذلك من باب نبش الماضي الغابر، بل إن هدفنا
هو بالأحرى محاولة استجلاء ما يحدث اليوم في مغرب ما بعد 1999.
فالمغرب اليوم ورغم اختلاف المشهد السياسي ظاهريا عن ما كان عليه في
أواخر 1970 وبداية 1971يعيش وضعا يتسم بالكثير من الغموض والتعقيد و لا
أحد قد يتنبأ بما ستؤول إليه الأوضاع، فالحياة
السياسية المغربية ما تزال تلازم مربع الأزمة وإن بأشكال وصور جديدة، و ما
تزال السلطة موحدة بيد المشرع والمنفذ و الحاكم والمحتكم إليه، وإن كان
المشهد المؤسسي العام يوحي بحركية وحيوية لا تخفى على الخبير بآليات
الديمقراطية أنها مجرد ترويح عن النفس. وما تزال كلمة المواطنة حديث
منتديات أكاديمية ومطالبات حقوقية وجولات إعلامية لا أكثر.. بل أصبحت
المواطنة ملخصة في عبارات مكتوبة في أنحاء كثيرة من المملكة: "أداء الضرائب
واجب وطني"!
وما تزال الكلمة الحرة المسؤولة في دنيا التعبير جريمة يعاقب عليها
بالسجن والمنع من ممارسة الكتابة وتلجيم الأفواه التي تجرأ على التظلم
علنا.
والأدهى أن الفقر هو صنو الحياة الفردية للمواطن المغربي الذي يصارع بشكل
انفرادي أمام استمرار النهب المنظم لثروات البلاد والعباد، واستمرار
التزوير الرسمي لإرادة الفئات الشعبية! فهذه انتخابات في الأفق يتم التحضير
لها وفقا لمقاسات تحددها وزارة الداخلية المغربية وأحزاب ما يسمى بالكتلة
والتي ضمنت في قانون مثير للجدل ويلقى معارضة شديدة من عدد كبير من
الأحزاب ومن فعاليات المجتمع المدني.
وهناك أيضا العنصر الحاضر الغائب في المشهد المغربي والذي ظل حتى أيامنا
هذه يشكل أحد الطابوهات التي يمنع التداول حولها. إنه الجيش المغربي، فهذا
الأخير عاش وقائع لا نعتقد أنها ستمر دون أن تترك بصماتها، فقد كانت محاكمة
وإدانة الضابط المغربي مصطفى أديب جراء تعريته للفساد الذي استشرى
في وحدته نتيجة سلوك رؤسائه،
القطرة التي أفاضت الكأس كما يقال، بحيث ظهرت بعد ذلك أشياء لا تخلو من
دلالات عميقة إذ انتشرت أخبار عن اختفاء أسلحة واعتقال عسكريين. وبعد
تفجيرات 16 ماي 2003 في الدار البيضاء قررت هيئة أركان الجيش الملكي
المغربي غلق أماكن الصلاة في الثكنات العسكرية وقامت بتسريح كل أولئك
الرجال الذين تنشط زوجاتهم في حركات إسلامية تهدف بشكل واضح إلى قلب
النظام.
واليوم وبعد مرور خمسين سنة على استقلال المغرب وحيث تم الاحتفال أخيرا
بذلك يسود شعور بالإحباط في أوساط الضباط الصغار والمتوسطين ، فقد جاء في
بعض قصاصات الأخبار أن قائمة بأسماء ضباط تتم ترقيتهم قد عدلت في اللحظات
الأخيرة لأنه تقرر إضافة عام للمدة التي يرقى على أساسها الضباط الصغار
والمتوسطين، كما أضيفت خمس سنوات لسن التقاعد.
وهناك تذمر من المنهجية المعتمدة في عملية التكوين وإعادة التكوين في
الخارج. وأخيرا من ظهور أولئك الجنرالات الذين يقال عنهم أنهم لم يقودوا
إطلاقا و لو
فيلقا وهم يزينون صدورهم
بميداليات
حصلوا عليها لمشاركتهم في عمليات مشبوهة. وبين الفينة والأخرى يدور حديث
هنا وهناك عن إبعاد هذا الضابط أو ذاك بسبب موقفه الرافض
لظاهرة مشينة لم يتم ردعها أو وقع التستر عليها. و في الأسابيع الماضية
وبالموازاة مع نشر أخبار عن إلقاء القبض على خلية تتكون من 44 شخصا من
بينهم خمسة عسكريين قيل أنهم يتبعون لقاعدة سلا الجوية و أن الخلية كانت
تخطط لأعمال إرهابية على حد تعبير السلطات المغربية، بالموازاة مع ذلك تم
إنهاء مهام الجنرال بلبشير بصفته مسؤولا عن الأمن العسكري وأسندت مهامه
للمكتب الخامس وتمت إقالة عدد آخر من الضباط.
إلى ذلك لا بد من الإشارة إلى الصراع المستحكم بين كافة أجهزة المخزن
والذي تبين أن الهدف منه هو
كسب ود رأس
السلطة و التقرب من مصادر الفوائد والمصالح المادية. و لأن ذلك لا يخرج عن
الوضع الفاسد إلذي يعيشه مغرب الألفية الثالثة فلا غرابة في أن تحرق ناره
المشتعلة ميادين أخرى حساسة.
طالبوا بالتحقيق مع قضاة في قضايا الرشوة والفساد..
لأنهم
محامون مهددون بالتوقيف
فهاهم
وتعود
وقائع هذه القضية إلى رسالة مفتوحة وجهها عدد من المحامين بمدينة تطوان في
الثامن والعشرين من يونيو ''بشأن وضع القضاء بالمغرب''. وتحدثت الرسالة عن
''الفوضى والفساد وانهيار العدالة وسيادة الاستهتار بالعدل كقيمة، وبمصالح
المواطن وأصبحت النزاهة والموضوعية عملة نادرة. وتطالب الرسالة بـ''سياسة
إصلاح مستمرة عن طريق المحاسبة والمراقبة وعدم التسامح مع كل من اتضح أنه
دون مستوى تحمل المسؤولية''، بعد التأكد من عدة خر وقات في الأحكام.
هذا غيض من فيض الصور التي باتت تؤثث المشهد المغربي اليوم. ولكنها لم تحدث
أي رد فعل من قبل الفاعلين السياسيين لأنها وحسب توقعات المراقبين لم تأت
بجديد.
وفي الشارع السياسي لا أحد ينكر أن الأوضاع تنذر بالانفجار لكن البعض اختار
أن يفتح النقاش والمراهنات حول موعد هذا الانفجار المرتقب مثلما فعلت جماعة
العدل والإحسان الإسلامية المحظورة التي دخلت في صراع قوي مع التيار السلفي
المغربي بسبب تنبؤها بأن موعد ما تسميه بـ القومة هو العام ل 2006 واعتبرت
الأمر لا يتعلق بحدث يهدد الاستقرار والأمان بقدر ما هو بشارة ستأتي بالذي
سيحكم البلاد علي منهاج النبوة .
ورددت بقية الأحزاب السياسية تقارير البنك الدولي وفتحت صفحات صحفها لدق
ناقوس الخطر غير أنه وعلى
مستوى
الفعل السياسي لا يسجل المراقبون أي خطوات تتجاوز قرع الطبول في انتظار ما
سيحدث.
ويجمع معظم المحللين
على
أن المغرب يعيش فورة اجتماعية حقيقية لم يعرفها منذ سنوات طويلة وأن مؤشرات
انفجار اجتماعي عام بدأت تتجمع نذرها يوما بعد يوم.
وماذا عن الجيش الذي بدأت الثقة فيه تتبخر و صار محط شكوك جديدة أفضت
إلى تشديد المراقبة عليه حسب ما تؤكد الأخبار والمعلومات المتواترة؟ سؤال
أصبح يطرح نفسه بإلحاح،
وعلى أية حال نحن لسنا بصدد التحريض بل قدمنا تشخيصا لحالة قائمة، ولكنها
في الواقع حالة تعنينا ما دام هذا الجيش يحتل أجزاء كبيرة من ترابنا
ويشارك في قمع انتفاضة أهالينا السلمية في المناطق المحتلة وفي جنوب
المغرب. |