|
مقال
للباحث والمختص العسكري الصحراوي، السيد حبوها ابريكة.
خلال
الحرب العدوانية والظالمة التي يشنها النظام الاستعماري المغربي ضد الشعب
الصحراوي، وفي فصول حرجة من المواجهة مع المقاتلين الصحراويين, تقوقع
الغزاة المغاربة بعد أن ذاقوا مرارة الهزائم المتتالية على يد الجيش الشعبي
الصحراوي مما اضطرهم الى الاستنجاد بقوى أجنبية معروفة بعدائها للشعب
الصحراوي كانت منخرطة بشكل غير مباشر في الصراع، فقدم خبراء هذه الدول
النصيحة للنظام الغازي ببناء احزمة دفاعية علها تقي الجنود المغاربة ضربات
الجيش الصحراوي الموجعة، فكان الدواء أسوء من الداء كما يقال لان الأحزمة
الدفاعية أو الجدران لم تفلح في إيقاف ضربات الجيش الصحراوي. وبقي الجدار
وصمة عار على جبين الاستعمار المغربي ونقطة سوداء في تاريخ القوى الغربية
والعربية التي كانت تساند وتمول هذا المشروع الاستعماري. وهكذا ظل الجدار
المغربي في الصحراء الغربية شاهدا من جملة الشواهد على فضاعة الاحتلال
وهمجيته ولاأخلاقية من يقفون وراءه، لزرعه أشكال الموت والخوف والذعر في
منطقة كانت إلى وقت قريب آمنة مطمئنة بأهلها الطيبين البسطاء. من يتحمل
المسؤولية التاريخية,المادية والأخلاقية في زرع آلة الموت هذه في الصحراء
الغربية؟ من يقف وراء زرع ملايين الألغام التي حصدت وتحصد أرواح ألاف
الأبرياء؟
نشرت
مجموعة الاسبانية
GEES
للدراسات
الاستراتيجية دراسة للباحث والمختص العسكري الصحراوي، السيد حبوها ابريكة،
تناول فيها إضافة إلى ورقة تقنية مستفيضة عن الجدار الاستعماري المغربي
الانعكاسات السياسية والبشرية لهذا الجدار في الصحراء الغربية. ونظرا
لأهمية هذه الدراسة نقدم لقراء الجريدة الكرام فصولا منها:
"إن
ما يعرف بالأحزمة الدفاعية المغربية هي في الواقع حصون دفاعية زرعتها قوات
الاحتلال المغربية في الصحراء الغربية وهي عبارة عن حواجز ضخمة من الحجارة
والرمال وحقول الألغام والأسلاك الشائكة محمية باكثر من 165 ألف جندي
مدججين بترسانة حربية متطورة نسبيا, وقد بنيت هذه الجدران بهدف اولوي تمثل
في محاولة تكريس الأمر الواقع الاستعماري ومنطق الاحتلال بالقوة الذي رفضت
كل الهيئات الدولية الاعتراف به أو تشريع نتائجه.
وعلى طول
السنوات الممتدة ما بين 1976 و1979 كانت عبقرية الجيش الصحراوي في انتهاج
حرب العصابات وحرب المواقع إضافة إلى المعرفة الجيدة بالطبيعة الطبوغرافية
للميدان حاسمة في تحقيق انتصارات عسكرية ساحقة على الجيش المغربي، بل ونقل
المعركة إلى داخل العمق المغربي مما خلق وضعية ارتباك حقيقية للجيش المغربي
بالرغم من التدخل الفرنسي المباشر في النزاع بقصفه للوحدات الصحراوية
بطائرات الجاكوار عام 1979.
وكنتيجة
مباشرة لفعالية تكتيك الجيش الصحراوي وبعد القضاء على وحدات النخب للجيش
المغربي(وحدة "احد" و"الزلاقة" وغيرها), وبالنظر إلى المعنويات المنحطة
لهذا الجيش الذي بدأ ينهار أجبرت القيادة العسكرية الغازية على البحث عن
حلول "سحرية" عساها تفلح في التقليل من خسائر الجيش وانتشاله من مستنقع
الهزائم المتتالية, فكانت اقتراحات الاستراتيجيين العسكريين في الغرب
مدعومة بالأموال الخليجية العربية لتتفتق عنها فكرة الجدران "الدفاعية".
في الفترة
ما بين1980 و1987 انطلق عشرات الالاف من الجنود المغاربة ومئات الجرافات
وكتائب مهندسي الألغام والأخصائيين في عملية بناء ضخمة للجدران الدفاعية
التي تحولت بعد ذلك إلى خنادق وأقبية لتعذيب ومعاناة الجيش المنهزم وهو
ينتظر الموت البطيء. ويمكننا القول بكل بساطة إن حلفاء النظام الملكي
الاستعماري قد اخطئوا في تشخيص المرض الذي يعاني منه الجيش المغربي فوصفوا
له دواءا أسوأ من الداء.
وعلى
المستوى الاقتصادي فالوضع كان كارثيا, فميزانية الدفاع غير القابلة
للمساءلة وصلت الى ما نسبته 17 في المائة من الميزانية العامة خلال سنة
1980 وفي الفترة مابين 1985 و1991 كانت مصاريف القوات المغربية في الجدار
تصل إلى حوالي 3 مليون دولار يوميا حيث لم يكن الاقتصاد المغربي الضعيف
أصلا قادرا على تحمل هذه النفقات الباهضة لقوات الاحتلال خصوصا أن مصادر
الدخل المغربي تظل محدودة, وزادت الوضعية تفاقما في ظل المتغيرات الدولية
التي دفعت بالممولين الخليجيين إلى الانصراف إلى قضاياهم الخاصة اثر
التغييرات المسجلة بعد حرب الخليج الثانية وصعود المد الأصولي في المنطقة.
وعموما فان
الاقتصاد المغربي لا يملك مقومات الصمود في هذه الحرب إذا ما أخذنا بعين
الاعتبار عجز الميزانية المغربية المزمن لاعتمادها بشكل كلي على استيراد
الطاقة, وحسب التقرير الأخير للبنك الدولي فان الاقتصاد المغربي لم يستطع
النمو بالوتيرة الضرورية والمطلوبة للتصدي لنتائج النمو الديمغرافي الذي
يقدر ب3% سنويا وهو ما يستدعي تحقيق نمو اقتصادي مستحيل يصل إلى نسبة 6%.
وإذا ما استأنفت الحرب في الصحراء الغربية فان المجهود الحربي سيتضاعف مما
سيجعل الاقتصاد المغربي على حافة الانهيار.
من المعروف
جيدا أن جميع الهيئات الدولية لاتعترف بسيادة المغرب المزعومة على الصحراء
الغربية وهو الامر الذي اكدت عليه قرارت الامم المتحدة ومحكمة العدل
الدولية, وعلى هذا الأساس لايمكن تفسير الصمت اللاأخلاقي للمجموعة الدولية
إزاء اثاراستمرار الجدارالذي بعتبر من بين العوائق الرئيسية في وجه تنظيم
استفتاء تقرير المصير ومظهرا من مظاهر عدم الاستقرار بالمنطقة فضلا عن كونه
يكرس الاستغلال الممنهج والسرقة للثروات الطبيعية الصحراوية وتشريد
المواطنين الصحراويين. نتساءل إذن في مصلحة من يصب وقف إطلاق النار؟ ما
جدوائية هذا القرار وجدار الموت مازال قائما؟
إن الأجيال
الصحراوية القادمة ستظل تحصد نتائج الدمار والموت التي سببها هذا
الجدار/العار وما نحن مقتنعين به كصحراويين أن هذا الجدار المقيت سيلاقي
يوما ما نفس مصير جدران أخرى سقطت في هذا العالم كما سقطت قلاع الظلم
والهيمنة والتوسع.
|