|
لم ينقشع
غبار العدوان الذي شنته إسرائيل على لبنان بعد وإن كانت الحرب غير
المتكافئة قد وضعت أوزارها أو على الأقل في هذه المرحلة التي تعد واحدة من
أشد فصولها الممتدة قرابة نصف قرن من الزمن.
الحرب
التي دامت مايزيد عن الشهر بين المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان التي
شهدت الخذلان العربي الرسمي والعدوان
الصهيوني المدعم بغطاء ديبلوماسي و
امداد
عسكري ومالي أمريكي غير مسبوق مع سلبية وتردد دولي مثير للريبة والحسرة
معاً،
قلبت كل الموازين التي صارت كلاسيكية في معادلة ميزان القوى في منطقة الشرق
الأوسط وخالفت مجريات الأحداث أثناء الحرب وفي
اعقابها
توقعات كل المحللين والخبراء المتخصصين في قضايا المنطقة.
الحرب التي
خططت لها لجنة مشتركة إسرائيلية – أمريكية منذ شهر ماي الماضي كما كشفت
مجلة "نيويوركير"
الأمريكية،
أي قبل حادثة أسر الجنديين الصهيونين،
كانت تهدف الى كسر شوكة منظمة حزب الله في جولة سريعة معتمدة على القصف
الجوي المكثف المصحوب بقطع الطرق وتدمير الجسور في خطوة تحذيرية لجميع
اللاعبين في المنطقة،
تظهر فيها إسرائيل قوتها
التي لاتقهر وقدراتها التي يجب وضعها في الحسبان قبل الإقدام على أي تحرك
في منطقة الشرق الأوسط.
ولعل
من أول من يعنى بهذا الاستعراض
"الهوليودي"
للآلة العسكرية الصهيونية هو سوريا وإيران والمقاومة الفلسطينية.
الأنظمة
العربية حسبت حسابات الربح والخسارة المعتادة واضعة في قائمة حساباتها
الموقف الأمريكي الذي لا ينبغي التصادم معه.
ولكن هذا التصادم أصبح حتمياً في الوقت الذي أصبحت الإدارة الأمريكية ناطقة
باسم اسرائيل وحارسة لمصالحها حتى اننا شهدنا خلال هذه الحرب سابقة لم
يعرفها التاريخ المعاصر حيث لم يعهد في أي من الحروب السابقة أن تقف القوى
العظمى ضد وقف اطلاق النار وقتل المدنيين.
موقف
النظام الرسمي العربي شهد بعض التحول بسبب القدرات العالية التي أبان عنها
حزب الله في تعاطيه الميداني مع العدو،
مظهراً قدرة غير متوقعة في التحكم في مجريات المعركة على أرض الميدان
مكبداً القوات الاسرائلية خسائر مؤلمة وملحقاً ضربات موجعة بالعمق
الإسرائيلي من جهة ومن جهة أخرى أظهر قدرة على الصمود والمصابرة عجزت عن
إبدائها الجيوش الرسمية العربية في حروبها السابقة مع اسرائيل.
والآن وقد
بدأ دخان القذائف وغبار البيوت المحطمة يتلاشى مع الأمل في أن يكون سكوت
المدافع طويل الأمد نحاول أن نحدد جملة من الدروس والنتائج التي لم تكن في
الحسبان التي استوحيت من هذه الحرب.
أولاً: أثبتت حرب الشعوب القائمة على الاستنزاف قدرة حرب العصابات على كسر
التفوق التقني واللوجيستيكي الذي يفصل بين الجيش النظامي وقوى المقاومة على
بساطة امكانياتها، لقد أعاد حزب الله الدرس الذي اثبتته حرب المقاومة
الفتنامية ضد الاحتلال الامريكي وهو الدرس نفسه الذي مكن الصحراويين من
مقاومة الجيش المغربي أكثر من خمسة عشرة سنة رغم عدم تكافؤ الإمكانيات.
ثانيا: للمرة الأولى في التاريخ العربي الحديث يتم تكسير أسطورة الجيش
الذي لايهزم من خلال تحطيم أكبر عدد من الاليات المصفحة ودبابات
"ميركافا"
الاسرائلية بانواعها الاربعة، فضلاً عن احداث هذا العدد من الخسائر البشرية
في جيش العدو، هذا من جهة ومن جهة أخرى إفشال المخطط الاسرائيلي في الهجوم
البري ومنعه من التقدم لكيلومترات معدودة لأسابيع عديدة. وكذلك جعل عدد
كبير من طبقات المجتمع الإسرائيلي تعيش الحرب وتذوق ويلاتها لقرابة شهر من
الزمن.
ثالثاُ:
أظهرت الحرب الحالية مدى
اتساع
الهوة بين النظام الرسمي العربي المهترئ والشعوب العربية التواقة للحرية من
خلال الالتفاف الواسع حول حزب الله وتبني المقاومة سواءا
في الاقطار العربية وفي
المهجر
مع تجاوز الجماهيرالعربية للفخ الطائفي الذي حاولت بعض الجهات جرها الى
دروبه الملغمة.
رابعاً:
الفشل الذريع الذي منيت به المنظومة الدولية التي ظلت لسنوات محط أنظار
المستضعفين في تعاملها مع العدوان الاسرائيلي الفاشي على لبنان أمام
الحماية التي وفرتها له الإدراة الأمريكية بشكل وقح ومستفز،
وعجز وسلبية المجموعة الأوروبية التي ظل مبعوثوها ووزرائها يدورون بين
عواصم المنطقة كمن لاحيلة له،
بالاضافةالى تخبط
غير مسبوق للديبلوماسية الروسية.
فالمبادئ الإنسانية وقيم الديمقراطية الجديدة التي ظلت الحضارة الغربية
تبشر بها تحطمت بكل بساطة أمام غطرسة إسرائيل وصلف الإدارة الأمريكية.
خامساً:
الموقف المشرف الذي عبرت عنه القيادات والجماهير اللبنانية من خلال موقفها
الموحد المحتضن للمقاومة والذي لم تفلح عمليات التدمير المهول للبنية
التحتية للبلد في هزه او اقتلاعه وهو مالم يكن في حساب العدو خاصة إذا ما
تذكرنا التجاذبات القوية التي عرفتها الساحة السياسية اللبنانية منذ اغتيال
رفيق الحريري حتى بداية الحرب العدوانية المبيتة ضد لبنان.
لقد وفرت
الوحدة الوطنية اللبنانية السند القوي للمقاومة من خلال توحيد الخطاب
الرسمي والالتفاف الشعبي في جبهة واحدة ضد العدوان وقوفاً مع المقاومة التي
هي تعبير شعبي وحق غير قابل للتصرف من حقوق الشعوب التي تتعرض للعدوان
والغطرسة كما هو الحال في لبنان.
سادساً:
الإزدواجية التي تتعامل بها الدول الكبرى و المجتمع الدولي مع قضايا الشعوب
فالجرائم الإسرائيلية التي لا حد لها ضد المدنيين من أطفال ونساء وعجزة لم
تحرك المجتمع الدولي لأسابيع متوالية في حين قامت الدنيا ولم تقعد في قضية
لوكربي ومن بعدها قضية دارفور رغم الأسئلة التي لازالت تطرح حول الوقائع
التي ذكرت هناك.
إن الشرعية
الدولية التي بقيت تراوح مكانها لعشرات السنين حين تعلق الأمر بتنفيذ
قراراتها في الصحراء الغربية وفلسطين وتقف بصمت مخجل أمام ضخامة الجريمة
الصهيونية في لبنان أصبحت بحاجة إلى مراجعة نفسها وتلميع وجهها بعد أن كفرت
الشعوب بصدق دعاوي التعايش والحوار الحضاري وقيم العولمة التي تبشر بها
أمريكا شعوب المنطقة العربية مستخدمة في ذلك كل الوسائط بما فيها الحروب
الوحشية. |