|
ونحن
نستقبل وفدا حزبيا موريتانيا شقيقا داخل مقر جريدة الصحراء الحرة المتواضع،
كان في زيارة لمخيمات اللاجئين الصحراويين،
قصد
الإطلاع عن كثب على تطورات قضية شعبنا العادلة وكذا التجربة الصحراوية في
ظروف الملاجيء القاسية،
في تلك
اللحظات استدعتني الذاكرة إلى فترة تأمل في حال العلاقات الموريتانية
الصحراوية، إلى أين وصلت وما هوالطابع الذي تأخذه اليوم في خضم ما تشهده
موريتانيا الشقيقة من إصلاحات وتغييرات متسارعة منذ سنة تحديدا ؟ كيف ساهم
مسلسل التحول داخل المجتمع الموريتاني ونخبه السياسية في إعطاء دينامية
جديدة لهذه العلاقات التاريخية والثقافية قبل ان تكون سياسية ؟ هل كان
لحركية وحراك المجتمع المدني في موريتانيا انعكاساته على هذه العلاقة ذات
الطابع الاستراتجي ؟ واخيرا كيف اثرت التطورات المتلاحقة والانية للقضية
الصحراوية على هذه العلاقات؟
لايختلف
اثنان في ان الشعبين الصحراوي والموريتاني تربطهما تاريخيا وثقافيا علاقات
من نوع متميز بحكم التداخل في المجال والثقافة والتاريخ اصبح معها محكوم
على الشعبين تعزيزهذه الروابط الخاصة وتأطيرها سياسيا لخدمة مصالحهما
ومجابهة كافة التحديات الانية والمستقبلية، ولعل قيادات البلدين تدرك جيدا
مكامن التحدي والمصير المشترك مما حذا بها الى التطلع المشروع لترقية هذه
العلاقات التي تعرضت للاسف الشديد في لحظات معينة من التاريخ المعاصر
لكبوات وهزات القت بظلالها القاتمة ردحا من الزمن على امال وطموحات الشعبين
بخلفية قرارات سياسية متسرعة. غير ان هذه الغيمة السوداء سرعان ما انقشعت
وبدأ الدفء يعود تدريجيا الى هذه العلاقات مع مطلع الثمانينات بعد الاعتراف
الرسمي من قبل موريتانيا بالجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية وتوقيع
الجانبين
اتفاق سلام شامل مبني على الاحترام المتبادل،
وحسن
الجوار، وتبلورت علاقات البلدين في هذا المنحى وعلى المستوى الرسمي، لكنها
ظلت حبيسة هذا المستوى في دينامية رتيبة لاتعبر واقعيا وعمليا عن الحجم
الحقيقي لعلاقات من المفروض ان تستجيب لحمولاتها الثقافية والتارخية
المعروفة.
طيلة
العقدين المنصرمين،
ظلت
قيادات البلدين تتبادلان رسائل الود والاحترام في المناسبات الرسمية اوخلال
أي تطور حاصل في الموقف فيما يتعلق بمسألة الصحراء الغربية، وكانت حكومات
الشعب الموريتاني الشقيق تعبر بشكل واضح لا لبس فيه عن التأييد والدعم
لجهود المجموعة الدولية من اجل حل دائم وعادل للنزاع طبقا لقرارات الشرعية
الدولية بما يخدم السلام في منطقة يهم موريتانيا ان يعمها الاستقرار
وتسودها علاقات حسن الجوار.
وقد
زادت وتيرة التعبير عن هذا الموقف المفعم بمشاعر القلق والانشغال العميق
بهذا النزاع
المفتعل من الجانب المغربي والمكرس لاطماعه التوسعية في المنطقة
لدى
القيادة الموريتانية الجديدة التي دشنت منذ سنة بخطوات جريئة برنامجا شاملا
من الاصلاح والتغيير افضى الى خوض غمار تجربة ديموقراطية يكون اللاعب
الرئيسي فيها التشكيلات الحزبية المتعددة ونخب المجتمع المدني الى جانب
قطاع اعلامي متحرر، كانت القيادة الموريتانية الجديدة حريصة على التعبير
عن موقف يتفاعل ايجابيا يوما بعد يوم في اوساط الفاعلين السياسيين
والجمعويين في البلد والداعي الى تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه
الطبيعي غير القابل للتصرف في تقرير المصير لوضع حد للطموحات اللامشروعة
للنظام المغربي المتغطرس، ويتنامى الاحساس في الشارع الموريتاني بمشاعر
التعاطف والتضامن مع القضية الصحراوية العادلة خاصة وان الشعب الصحراوي
تصدى بحزم لمخططات الهيمنة والتوسع التي ظلت تطبع سياسة هذا النظام اتجاه
جيرانه، وقد سبق للشعب الموريتاني الشقيق ان ذاق مرارة
آثار
هذه السياسة البائسة حيث كان النظام المخزني يعتبر الاراضي الموريتانية
جزءا تابعا للمملكة،
ولايخفى على المتتبعين لتطورات الاحداث في المنطقة ما جلبته هذه السياسة
التوسعية الحاقدة من اثار سلبية مست امن واستقرار شعوبها.
استقطبت
موريتانيا الانظار الدولية منذ قيام حركة الاصلاح والتغيير على اثر انقلاب
ال03 غشت 2006، ولان هذا البلد لاسباب جيوسياسية تحول الى منطقة اكثر اهمية
في نسيج العلاقات الدولية وخارطة التوازنات الجديدة هذا فضلا عن الثروات
الباطنية التي يعد بها، هذه العوامل وغيرها باتت تحدد معالم سياسة خارجية
ترنو الى ارساء أسس ودعائم الاستقرار في المحيط المغاربي والانضمام للجهود
المبذولة قصد تسوية القضايا العالقة سلميا وبشكل عادل ودائم،
وهو ما
اشار اليه الرئيس الموريتاني في لقاء خاص مع مجلة "جون افريك عدد 23 يوليو
2006" في معرض اجابته على سؤال يتعلق بموقف بلاده من نزاع الصحراء الغربية
بالقول " يتلخص موقفنا في التشبث باحترام الشرعية الدولية وقرارات الامم
المتحدة، ونحن تواقون الى حل عادل لنزاع طال امده يؤثر علينا وعلىالمنطقة
برمتها " هذا الموقف يتناغم مع السياسة الخارجية الموريتانية التي اعربت في
اكثر من مناسبة عن حرصها على تطوير علاقات الاخوة وحسن الجوار مع الجانب
الصحراوي وهذا ما عبر عنه مؤخرا الرئيس الموريتاني في رسالة بعثها الى
نظيره الصحراوي بمناسبة الذكرى الثلاثين لاعلان الجمهورية العربية
الصحراوية حين قال " ونحن اذ نهنئكم بمناسبة تخليدكم الذكرى الثلاثين
لاعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية نعبر عن التزامنا ببناء
علاقات اخوة وتعاون بين بلدينا الشقيقين ". ويطمح الجانب الصحراوي الى
اعطاء نفس جديد لهذه العلاقات وبعث الروح في الروابط المتعددة المستويات من
خلال اتصالات منتظمة ومباشرة مع الفاعلين السياسيين في الساحة الموريتانية
بمختلف خلفياتهم وتوجهاتهم، وبالرغم من اهمية هذه الاتصالات وحيويتها الا
ان ميزتها المحتشمة ظلت تكرس الانطباع بان الجانبين لم يتخلصا بعد من
الاثار السلبية الموروثة عن فترة الجفاء وضغوطها النفسية التي ضاعفتها حدة
الدعاية المغلوطة والمضللة.
اصبح اليوم
من اللازم النظر الى العلاقات الموريتانية الصحراوية من زاوية فاعلية
وحركية المجتمع المدني وهذا راجع لعاملين اساسيين الاول يأخذ نسقا تارخيا
بما يعني المنظومة المتداخلة من القيم الثقافية والاخلاقية التي يشترك فيها
الشعبين الشقيقين، ان هذه البنية من العلاقات المتشابكة والمتناغمة تحدد
طبيعيا جملة من التصورات المتماثلة والمشتركة من شأنها ان تعززها علاقات
تذهب بعيدا نحو افق يرتقي بها الى مرتبة العلاقات الاستراتجية. اما العامل
الثاني فهوآني
يتصل بالمعطيات الحديدة على الساحتين الصحراوية والموريتانية حيث يصبح
مكملا لسابقه. فالقضية الصحراوية عرفت طفرة نوعية في مسار كفاح الشعب
الصحراوي العادل تجلت اساسا في الانتقالة التارخية للمقاومة في المدن
المحتلة الى اسلوب المواجهة العلنية والمباشرة مع الاحتلال من خلال
انتفاضة شعبية متواصلة تمكنت بقوتها وصلابتها من كسر الحصار والتعتيم
الذين
فرضتهما قوات الاحتلال لفترات طويلة وعرت امام الرأي العام الدولي الحقائق
الفظيعة للاحتلال مما اكسب هذه الانتفاضة مزيدا من التأييد والدعم خاصة في
الشارع الموريتاني الذي اصبح يواكب جميع تطوراتها ويبدي التعاطف معها من
حيث هي اسلوب متحضر في التعبير بشكل سلمي عن مطامح مشروعة في الحرية
والاستقلال ورفض جذري لكل اساليب التدجين والهيمنة، ويشمئزهذا الشارع من
صور الفظاعة والاجرام المنقولة عن قوات الاحتلال الهمجية في مجابهة
المقاومة السلمية في الصحراء الغربية.
وعلى
الساحة الموريتانية يلقى مسلسل التغييرات والاصلاحات مساندة داخلية
وخارجية باعتبار طابعها الديموقراطي واتجاهها نحو تفعيل تشكيلات المجتمع
المدني باشراكها في رسم مستقبل سياسة البلاد وتوسيع هوامش الحرية والتعبير
لهذه التشكيلات. وبصورة اوضح فان الهيئات المكونة للمجتمع المدني من فاعلين
حزبيين ومهنيين واعلاميين وغيرهم مدعوة في خضم هذا التغيير الى خوض غمار
الحوار المتنوع والمختلف حول قضايا موريتانيا الاستراتجية لاستقطاب الجماهير
والحصول على تأييدها، فالحزبيين مثلا في حاجة الى قواعد عريضة في الورقة
الانتخابية كما ان الاعلاميين هم بحاجة اكثر من أي وقت مضى للانفتاح على
المحيط ومعالجة كل قضاياه ذات التأثير المباشر على موريتانيا.
|